2008-06-27 - حمدي أبوجليل: جيل الستينيات نموذج أريد الوصول إليه دون أن أتجاوزه
بمناسبة صدور روايته الجديدة «الفاعل»
لا تعنينــي فكــرة المهمشــين ولــن تغيــركتاباتــي العالـــم
كتبته : مي أبوزيد
جاء حمدي أبوجليل من الفيوم ليعمل في القاهرة في مهنة "الفاعل"، لكن تجربته الإنسانية الغنية وطموحه ذهبا به إلي مغامرة أبعد، إذ قرر أن تكون الكتابة عالمه
وخلال رحلة تقترب من 15 عاما رسخ ابو جليل لوجوده في الحياة الأدبية بعدد من الأعمال منها "أسراب النمل" أشياء مطوية بعناية فائقة ، وكتاب "القاهرة شوارع وحكايات 2003،2007" إلي أن جاءت روايته المتميزة "لصوص متقاعدون"
التي وضعته في مقدمة كتاب جيله وفي عمله الجديد" الفاعل" الصادر عن دار "ميريت" عرض لتجربة شيقة يوازن فيها بين السرد الواقعي الواقع علي تخوم السيرة الذاتية والسرد المتخيل الذي يمنح التجربة فضاءها الجمالي المميز.
وهنا حوار معه عن عمله الجديد وعن تجربته في الكتابة:
> سألت أبو جليل: اللغة في "الفاعل" تبدو مختلفة إلي حد كبير عن لغة " لصوص متقاعدون" فهل يعني ذلك أن اللغة لديك تختلف باختلاف العالم الذي تحكي عنه؟
>> اختلاف اللغة عندي لا يرتبط بالعالم الذي أحكي عنه لأني لا أنظر للشخصيات التي أكتب عنها، لكن اللغة خاصة بمعركتي مع نفسي، مسألة تخص قدرتي علي التعبير عن أفكاري بلغة مناسبة وجيدة، دون أن يخل التعبير بقيمة الأفكار التي أود إيصالها، لكن أنا"مبسوط" من لغة الفاعل، فهي أقرب إلي لغة الكلام المحملة بطاقة تعبيرية تشبه اللغة التي يمكن أن تستخدم فيها اليد وتعابير الوجه وأتصور أن اللغة الفصحي جسد في حاجة لأن ينتعش باللفظة العامية، لأنها لغة فيها سمو وحنان المدن.
> "الفاعل" تبدو للقاريء أقرب إلي السيرة الذاتية، أو المتوالية القصصية، فهل هذا صحيح؟
>> أعتقد أن كل مقطع في الرواية يمكن أن ينشر بمفرده، لكن بما أن العالم واحد والراوي واحد فأتصور أنني أرضي نفسي حينما أنشرها كرواية، والحقيقة أنا كان نفسي أعمل رواية محكمة ينمو فيها الحدث، ومكثت 5 سنوات لأجرب في ذلك الطريق، لكن "الفاعل" ظهرت بهذا الشكل، ربما لأن عالم من يعمل في مهنة الفاعل مشتت وغير مستقر ويفتقر إلي الحكاية المكتملة.
أما مسألة السيرة الذاتية، فلا أري في "الفاعل" سيرة مباشرة، لكني أفضل أن تكون لدي علاقة مع ما أكتب، لذلك أخذت وقتًا طويلاً لكي أقول في الرواية إنني حمدي أبو جليل.
> لماذا؟
>> لأنني أري أن الكتابة أشبه بالستارة التي ينبغي أن تحجب شيئاً وإن لم تقم بهذه الوظيفة فالأفضل أن ترفع، ومن ثم لا أريد أن يكون عندي أوهام الكتاب الذين يرون أنفسهم مختلفين عن الناس أو يتحدثون من منطق النبوة، فالشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي، مثلا أحترمه وأحب شعره، لكني أشعر أنه يتحدث من منطقة عالية وبعيدة عني كإنسان عادي.
> لكن الراوي في "الفاعل" رأي نفسه في منطقة عالية عن الناس العاملين بنفس المجال، كان يفتخر بالكتابة، فهل هناك تناقض فيما تقول؟
>> لا يوجد تناقض، فالراوي عنده وجود متميز دون وجود أسباب واقعية له سوي أنه ينتمي لقبيلة بدوية تنتمي لبني سليم، ولأنه يعمل في عمل يعتبره الكثيرون مهيناً في مجتمع لا يعرف القبيلة، دفعه ذلك للبحث عن سند وسبب آخر للتميز والتحقق والوجود فكان ذلك من خلال الكتابة.
> ماذا عن مقولتك في حوارات أخري "أنك تكتب للوجاهة الاجتماعية"؟
>> أنا عانيت من هذه الكلمة، وكنت أقصد بها الوجود المتميز، فقد كنت وأنا صغير أرص الكتب علي المصطبة دون أن أقرأها، رغم أنني في مجتمع بدوي سيعتبرني مجنوناً، ومازلت إلي الآن أزهو بالكتب والكتابة دون أن أجد تفسيرا لذلك، فقط أشعر أن وجودي الأمثل وسعادتي هو أن أكون كاتبا.
> ولماذا تتناول عالم المهمشين والبدو طالما أنك تكتب لإسعاد نفسك؟
>> "أنا مش فاهم مسألة المهمشين دي"، وعلي حسب ما يشاع عن الموضوع أن الكل مهمش ماعدا حسني مبارك ومن حوله، ربما يكون من أكتب عنهم مهمشين لكني لا أتعامل معهم بهذا المنطق، ولا أعتقد أنني سأغير العالم وعمري ما عملت حاجه لمقاومة حاجة، أما الكتابة عن البدو فترجع لتصوري عن الكتابة، باعتبارها نوعاً من الارتباط بالنفس، وبكونها نوعاً من العلاج والرقية أو لتجاوز عقد نفسية.
والحقيقة أنني أري بدو مصر يشكلون مفارقة ما، فهم يريدون طراوة الواحة وفروسية واتساع الصحراء و حينما جاءوا للوادي حاولوا التعامل معه بمقاييسهم الصحراوية فقاموا بالاستيلاء علي الأرض الزراعية من أصحابها الفلاحين دون أن يقوموا بزراعتها إلي أن منحهم محمد علي بعض الأراضي وقام جمال عبدالناصر بإدخالهم الجيش، وقد انشغلت بهم في لحظة الانصهار هذه، وأعتقد أن تاريخهم سينتهي لأنهم لن يجدوا من يسجله، كما أتوقع أن ينتفي وجودهم بعد عدة سنوات، وربما يبرر ذلك هجومي علي ابراهيم الكوني الذي يقدم الإنسان البدوي علي أنه انسان عادي مستقر.
> لكن هناك كتاباً شباباً تناولوا عالم البدو في السنوات القليلة الماضية مثل مسعد ابو فجر وميرال الطحاوي، وهو ما لم يحدث من قبل ؟
>> بدو الفيوم غير بدو سيناء، فبدو الغرب وخاصة الهجرات الأحدث منهم يتمتعون بعلاقة قديمة مع الدولة، ويتعاملون مع مصر علي انها بلدهم حتي انهم كانوا ينازعون الفلاحين علي الأرض ومنصب العمدية وغيره، وبالتالي ليس لديهم مشكلة هوية، علي عكس بدو سيناء الذين يتمتعون بضعف يخفونه بقوي وهمية، ويعانون من مشكلة في الهوية كما يعيشون علي أرض غير مستقرة.
> نعود للرواية، لماذا يسيطر هاجس الخوف علي الروايتين؟
>> في العملين أجد نوعين من الخوف، أولهما البسيط الذي يأتي من كونك تعيش ضمن ناس أغراب، خاصة أننا -أبناء الريف- نعتقد دائما أن المدن موطن الأذكياء، وكأي ريفي الذكاء لديه مرتبط بالشر، أما الخوف الأبعد فهو أنه رغم ما يشاع عن البدو من أنهم ناس شجعان لكنهم في حقيقة الأمر يخافون من الأشياء الغامضة، ولهذا كانوا يستعينون علي هذا الغموض بغموض أكبر وأقوي وهو الدين أو الرب، وليس صدفة أن يكون كل الأنبياء رعاة.
> ماذا عن الراوي الذي لم يشرك نفسه في أي علاقة مع الأبطال، وكأن الخوف جعله يتعامل مع الجميع بحيادية؟
>> هي موضوعية وليست حيادية، هي آلية ليري كل جوانب الشخصية التي أمامه، وهو ما تحقق من خلال السخرية، التي تجعلك تتصالح مع المتناقضات دون أن تأخذ منها موقفاً محدداً.
> هل تخليك عن الحبكة الروائية في"الفاعل" علي عكس "لصوص متقاعدون" هو استجابة لمعطيات الواقع الاجتماعي والأدبي الذي تكتب عنه وتكتب فيه؟
>> الإبداع مجري مائي تعترضه ربوات مثل نجيب محفوظ وجيل الستينيات، وعجزي عن صعود الربوة يجعلني أسلك طريقًا آخر، يكون بمثابة تجديد.
> معني ذلك أن حمدي أبو جليل يري نفسه عاجزا؟
>> نعم أشعر أني عاجز في لغة الكتابة.
> العالم الروائي عندك قائم علي فكرة التواطؤ، فالكل يعلم بجلسات الحشيش وأماكن الدعارة لكنهم يصمتون؟
>> لأن الحياة كده، الناس مش حاسمين مع بعض، ممكن نصرح لبعضنا البعض دون أن تهتز علاقاتنا، وأتذكر حينما كنت صغيرًا أن أمي ظلت تحذرني من التدخين وتغضب في بعض الأحيان، وفي نفس الوقت كانت تضع لي بيدها السجاير في إحدي فجوات الحائط.
> انت ابن جيل حقق ما سمي بالانفجار الروائي فكيف يمكن تأمل علاقتكم بالأجيال الأكبر بداية من نجيب محفوظ مرورا بجيل الستينيات وهل يمكن اعتبارها نماذج تريد الوصول إليها؟
>> نعم أريد أن أصل إليها دون أن أتعداها، فانا اعتبر أن جيل الستينيات «إبراهيم أصلان- خيري شلبي- صنع الله إبراهيم- جمال الغيطاني- يحيي الطاهر عبد الله- محمد مستجاب..» أعظم جيل روائي كسر إيهام الرواية وجعلها واقعاً ملموساً ولولاهم "لكان واحد زيي تردد في الكتابة"، واعتبر أن أعمال أصلان وشلبي أقرب للشباب رغم إحجامهما عن السخرية والتوسع في العامية.
> هل صحيح أنه كان لك موقف معارض من حصول إدوار الخراط علي جائزة مؤتمر الرواية الأخير، هل كنت ستتخذ نفس الموقف لو كان الفائز بها إبراهيم اصلان؟
>> ادوار الخراط يستحق أكبر الجوائز، لكن عندما يعلن عن جائزة في مؤتمر يحمل اسم"الرواية الآن" فإن الأقرب لها هو إبراهيم أصلان وخيري شلبي لأن لديهما مشروعاً كبيراً أقرب للرواية الآن وللكتاب الشباب، وأعتقد أنها مشكلة الجائزة وليس الخراط، لأن جائزة الرواية لابد أن يفوز بها العمل وليس اسم الكاتب، فهي تختلف عن جائزة الدولة التقديرية، ولننظر للروايات التي تصدر خلال العامين السابقين للمؤتمر ووقتها سيتنافس حمدي أبو جليل بجانب نجيب محفوظ.
> وهل ينطبق هذا علي جائزة البوكر العربية؟
>> حينما حدثت دوشة حول ترشيح مكاوي سعيد وخالد خليفة وهي اسماء غير معروفة للقائمة القصيرة، كان علي القائمين عليها أن يلقموا الناس حجرا، ولهذا منح صبري حافظ الجائزة للأستاذ بهاء طاهر، رغم أن رواية "تغريدة البجعة" أهم من"واحة الغروب" دون ان يقلل هذا الرأي من قيمة بهاء طاهر الكبيرة ككاتب متميز.
> وما هي حدود استفادتك من لغة أصلان وسخرية مستجاب؟
>> أصلان استاذي، "اللي عامل زي الجواهرجي اللي بيحول التراب إلي دهب " أما مستجاب فكنت متأثرا به في البداية لكني اكتشفت اختلاف نهجينا، فهو يحول الواقع إلي أسطورة، وأنا أفعل العكس، كما انه لم يثق بالسخرية في حد ذاتها فسعي لتدعيمها باللغة، وهو نتيجة ربطنا بين السخرية والخفة، وتعاملنا مع الكاتب الساخر علي أنه "مونولوجست"
المصدر
|